أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

280

العقد الفريد

تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ * عميرا ، وإمّا أن تزور المهلّبا هما خطّتا خسف نجاؤك منهما * ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا « 1 » ثم قال : دلوني على رجل أوليه الشرطة . فقيل له : أيّ الرجال تريد ؟ قال : أريد دائم العبوس ، طويل الجلوس ، سمين الأمانة ، أعجف « 2 » الخيانة ، لا يحنق في الحق على حرّ أو حرّة ، يهون عليه سبال « 3 » الأشراف في الشفاعة . فقيل : عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي فأرسل إليه يستعمله ، فقال له : لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك وولدك وحاشيتك . فقال الحجاج : يا غلام ، ناد : من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمّة منه . قال الشعبي : فو اللّه ما رأيت قط صاحب شرطة مثله ، كان لا يحبس إلا في دين ، وكان إذا أتي برجل نقب على قوم ، وضع منقبته « 4 » في بطنه حتى تخرج من ظهره ، وكان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا ودفنه فيه حيا ، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده ؛ فربما أقام أربعين يوما لا يؤتي إليه بأحد ، فضم الحجاج إليه شرطة البصرة مع شرطة الكوفة . ولما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان ، فمرّ الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد ، وعلى الحجاج سيف محلى وهو يخطر متبخترا في المسجد ، فقال رجل من قريش لخالد : من هذا التختارة « 5 » ؟ فقال : بخ بخ ! هذا عمرو بن العاص ! فسمعه الحجاج : فمال إليه فقال : قلت : هذا عمرو بن العاص ! واللّه ما سرّني أنّ العاص ولدني ولا ولدته ولكن إن شئت أخبرتك من أنا : أنا ابن الأشياخ من ثقيف ، والعقائل « 6 » من قريش ، والذي ضرب مائة بسيفه هذا كلهم يشهدون على

--> ( 1 ) الأشهب : المجدب ، أو ذو برد وريح . ( 2 ) أعجف : رقيق . ( 3 ) السبال : جمع سبلة ، وهي طرف الشارب من الشعر . ( 4 ) منقبة : ما ينقب به . ( 5 ) التختارة : الذي يمشي مشية الكسلان . ( 6 ) العقائل : جمع عقلية وهي الزوجة المحذرة والسيدة الكريمة .